ترى الكاتبة إلينا فرهادي أن الانتخابات العامة الإسرائيلية، ليست مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، بل اختبارًا لمستقبل السياسة الإسرائيلية تجاه إيران في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية. ومع سعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاحتفاظ بمنصبه، ومنافسة رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت له، تظل التساؤلات قائمة بشأن قدرة أي قيادة جديدة على تغيير الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه طهران.
وفي تقرير نشرته شبكة دويتشه فيله، أوضحت فرهادي أن الانتخابات تأتي في أول استحقاق عام تشهده إسرائيل منذ هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي فجّر واحدة من أعمق الأزمات الأمنية في تاريخ البلاد. وأضافت أن تداعيات الهجوم والرد الإسرائيلي، بما في ذلك الحرب على إيران، جعلت مستقبل السياسة الأمنية الإسرائيلية محورًا رئيسيًا في المنافسة الانتخابية.
نتنياهو وآيزنكوت يتنافسان وسط مخاوف من استمرار الحرب مع إيران
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه الصريح لنتنياهو، واصفًا إياه بأنه «رئيس وزراء محارب»، ومحذرًا من أن اختيار زعيم آخر قد يؤثر على التحالف بين واشنطن وتل أبيب.
وقال ترامب في منشور عبر الإنترنت، في إشارة إلى الصراع مع إيران، إن الولايات المتحدة ستضطر إلى تولي المهمة بنفسها إذا اختارت إسرائيل قائدًا غير مناسب، مضيفًا أنه لا يميل إلى القيام بذلك.
لكن تقارير إعلامية تحدثت عن خلافات خلف الكواليس بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة ترامب. وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن الجيش الإسرائيلي كان يعتزم شن جولة جديدة من الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية والمراكز الحكومية والبنية التحتية للطاقة في نحو 10 أكتوبر، غير أن ترامب عارض التصعيد قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر. وشككت صحيفة الجيروزاليم بوست لاحقًا في هذه الرواية، مشيرة إلى أن الجيش لم يتلقَّ توجيهات محددة لتنفيذ عملية من هذا النوع.
وتحوّلت المنافسة الانتخابية إلى مواجهة متقاربة بين نتنياهو وآيزنكوت، رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي وزعيم حزب «يشار» الوسطي الذي يتصدر المنافسة، بحسب التقرير.
لكن راز زيمت، رئيس برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يرى أن الفروق السياسية بين الطرفين لا تكفي للحديث عن تغيير جوهري في نهج تل أبيب تجاه طهران بعد الانتخابات.
وقال زيمت لـ«دويتشه فيله» إن الاختلافات بين تيارات اليسار واليمين والوسط في إسرائيل بشأن التهديد الإيراني، ولا سيما التهديد النووي، تظل محدودة.
وأضاف أن أي تصعيد عسكري ضد إيران يعتمد بدرجة أكبر على قرار الرئيس الأمريكي، وليس على هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي وحدها. ولا يتوقع زيمت، بوجه عام، تغييرات دراماتيكية في السياسة الإسرائيلية تجاه إيران والجماعات المتحالفة معها، بصرف النظر عن تركيبة الحكومة المقبلة.
ويتفق داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في المعهد نفسه، مع هذا التقدير، مؤكدًا أن تغيير رئيس الحكومة، حتى لو غادر نتنياهو منصبه، لن يمحو تأثيره أو السياسات التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
هجوم 7 أكتوبر غيّر نظرة إسرائيل إلى التهديد الإيراني
يربط التقرير التوافق الإسرائيلي الحالي بشأن إيران بتداعيات هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. فقبل الهجوم، كان كثيرون يرون، وفقًا لنويد توبيان من معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط، ومقره الولايات المتحدة، أن على إسرائيل التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بطريقة محدودة ومحسوبة، مع التركيز على مواجهة أذرع ما يُعرف بـ«محور المقاومة».
لكن الهجوم غيّر قواعد اللعبة، بحسب توبيان، إذ أظهر أن طهران لا تدخر جهدًا في استهداف إسرائيل. ويضيف أن إسرائيل كانت تدرك شعارات إيران الداعية إلى تدميرها، لكنها اعتقدت أن هذه التصريحات تحمل جانبًا داخليًا يهدف إلى حشد أنصار التيارات الإسلامية المتشددة داخل إيران.
ويرى دامون جولريز، الباحث في معهد لاهاي للجيوسياسة، أن هجوم 7 أكتوبر مثّل نقطة تحول، وأثار ما وصفه بأنه أكبر صدمة تاريخية للشعب اليهودي منذ المحرقة النازية. وقال إن استمرار الطموحات النووية الإيرانية والتهديدات المتواصلة ضد إسرائيل عززا مخاوف قطاع واسع من المجتمع الإسرائيلي، الذي بات ينظر إلى الحكام الإيرانيين الحاليين باعتبارهم رمزًا لتهديد تاريخي.
وبحسب جولريز، تقوم السياسة الأمريكية والإسرائيلية الحالية تجاه إيران على ثلاثة مسارات رئيسية: إزاحة قادة النظام، وإحداث انهيار في قدراته الصناعية والبنية التحتية، والعمل على إشعال حرب أهلية وتفكيك البلاد عبر ما وصفه بـ«المقص الجغرافي»، بمساعدة جماعات انفصالية مسلحة من الأكراد والبلوش.
ولا تقتصر أطراف الصراع على الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. فقد نقلت وكالة «رويترز»، في تقرير حديث، عن مسؤولين أمنيين إيرانيين كبار قولهم إن طهران أعدّت خططًا عملياتية مفصلة لشن هجمات انتقامية. وحذرت إيران من أن وسائل الرد المحتملة قد تشمل تدمير كابلات الاتصالات البحرية الممتدة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، إلى جانب استهداف مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة، التي تعتمد على الولايات المتحدة.
هل تستطيع الدبلوماسية منع تصعيد جديد بين إسرائيل وإيران؟
في معرض الحديث عن البدائل الدبلوماسية للتصعيد العسكري، أشار غولريز إلى فرصة قال إنها ظهرت قبل ستة أشهر في إسلام آباد، عندما وافقت طهران على عدم المبادرة إلى شن حرب أو عمليات عسكرية ضد إسرائيل.
وأوضح أن إطار إسلام آباد تضمّن، وفق قراءته، اعترافًا من الرئيسين الإيراني والأمريكي بالمصالح الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي. واعتبر أن المادة الأولى من هذا الإطار كان يمكن أن تمثل بداية لإنهاء شعارات «الموت لأمريكا» والتهديدات المعادية لليهود، بما فيها شعار «الموت لإسرائيل».
وأضاف جولريز أن نافذة الفرصة الدبلوماسية أُغلقت سريعًا، لكنه يرى أن توافر الإرادة السياسية قد يسمح بالعودة إلى بنود مذكرة إسلام آباد وروحها، باعتبارها خطوة استراتيجية أولى نحو سلام دائم.
غير أن سيترينوفيتش أبدى قدرًا أقل من التفاؤل بشأن استعداد النخب السياسية الإسرائيلية للعودة إلى المسار الدبلوماسي، وقال لـ«دويتشه فيله» إن العودة إلى الاتفاق النووي لا تحظى حاليًا بمكانة في الساحة السياسية الإسرائيلية.
وتشير هذه المواقف إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تحدد هوية القيادة المقبلة، لكنها لا تضمن تغييرًا جوهريًا في سياسة تل أبيب تجاه إيران. فالتوجهات الأمنية التي ترسخت منذ هجوم 7 أكتوبر، إلى جانب دور واشنطن الحاسم في أي تصعيد عسكري، قد تحد من قدرة الحكومة الجديدة على إعادة صياغة الاستراتيجية الإسرائيلية، بينما تظل فرص التسوية الدبلوماسية مرهونة بتغير الحسابات السياسية لدى الأطراف المعنية.
https://amp.dw.com/en/will-elections-in-israel-change-its-iran-approach/a-79776122

